صديق الحسيني القنوجي البخاري

482

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ دلالات على بديع صنعه وعظيم قدرته فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد وتتفاضل في الثمرات في الأكل فيكون طعم بعضها حلو والآخر حامضا وهذا في غاية الجودة ، وهذا ليس بجيد ، وهذا فائق في حسنه ، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه ، لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا للسببين . إما اختلاف المكان الذي هو المنبت أو اختلاف الماء الذي تسقى به ، فإذا كان المكان متجاورا وقطع الأرض متلاصقة والماء الذي تسقى به واحدا لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب . لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي يعلمون على قضية العقل وما يوجبه غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات ، أي يستعملون عقولهم بالتفكر فيها ، خص هذا بالعقل والأول بالتفكر لأن الاستدلال باختلاف النهار أسهل ، ولأن التفكر في الشيء سبب لتعقله والسبب مقدم على المسبب ، فناسب تقديم التفكر على التعقل . قال الحسن : هذا مثل ضربه اللّه لقلوب بني آدم ، فالناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم وتخشع وتخضع ، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع . وقال أيضا : واللّه ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان ، قال اللّه تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 5 إلى 8 ] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( 8 ) وَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم من الصادقين فَعَجَبٌ أي فأعجب منه قَوْلُهُمْ أي تكذيبهم بالبعث ، واللّه تعالى لا يجوز عليه التعجب لأنه تغير النفس بشيء تخفى أسبابه ، وذلك في حق اللّه تعالى محال ، قال القرطبي . وقيل العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة وإنما ذكر ذلك ليعجب منه رسوله واتباعه .